أبي الفرج الأصفهاني
259
الأغاني
النعمان بن المنذر ؛ فارتحلت من عندهم . فلما دخلت اليمامة سألت عن عمرو هذا فإذا هو قد دفن في ذلك الوقت الذي قالت فيه ما قالت . قصته مع عمر بن عبد العزيز حين وفد عليه : أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدّثنا محمد بن الحكم ، وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو الهيثم بدر بن سعيد العطَّار قال حدّثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال : لمّا استخلف عمر بن عبد العزيز جاءه الشعراء فجعلوا لا يصلون إليه ؛ فجاء عون بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود وعليه عمامة قد أرخى طرفيها فدخل ؛ فصاح به جرير : يأيّها القارئ [ 1 ] المرخى عمامته هذا زمانك إنّي قد مضى زمني أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه أنّي لدى الباب كالمصفود في قرن قال : فدخل على عمر فاستأذن له ، فأدخله عليه . وقد كان هيأ له شعرا ، فلما دخل عليه غيّره وقال : إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا من الخليفة ما نرجو من المطر نال الخلافة إذ كانت له قدرا كما أتى ربّه موسى على قدر أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت أم تكتفي بالذي بلَّغت من خبري ما زلت بعدك في دار تعرّفني [ 2 ] قد طال بعدك إصعادي ومنحدري لا ينفع الحاضر المجهود بادينا ولا يجود لنا باد على حضر كم بالمواسم من شعثاء أرملة ومن يتيم ضعيف الصوت والبصر يدعوك دعوة ملهوف كأنّ به خبلا من الجنّ أو مسّا من النّشر [ 3 ] / ممّن يعدّك تكفي فقد والده كالفرخ في العشّ لم ينهض ولم يطر / قال : فبكى عمر ثم قال : يا بن الخطفى ، أمن أبناء المهاجرين أنت فنعرف لك حقّهم ، أم من أبناء الأنصار فيجب لك ما يجب لهم ، أم من فقراء المسلمين فنأمر صاحب صدقات قومك فيصلك بمثل ما يصل به قومك ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، ما أنا بواحد من هؤلاء ، وإني لمن أكثر قومي مالا ، وأحسنهم حالا ، ولكنّي أسألك ما عوّدتنيه الخلفاء : أربعة آلاف درهم وما يتبعها من كسوة وحملان . فقال له عمر : كلّ امرئ يلقى فعله ، وأمّا أنا فما أرى لك في مال اللَّه حقّا ، ولكن انتظر ، يخرج عطائي ، فأنظر ما يكفي عيالي سنة منه فأدّخره لهم ، ثم إن فضل فضل صرفناه إليك . فقال جرير : لا ، بل يوفّر أمير المؤمنين ويحمد وأخرج راضيا ؛ قال : فذلك أحبّ إليّ ؛ فخرج . فلما ولَّى قال عمر : إن شرّ هذا ليتّقى ؛ ردّوه إليّ ، فردّوه فقال : إن عندي أربعين دينارا وخلعتين إذا غسلت إحداهما
--> [ 1 ] في ديوان جرير المخطوط : « يا أيها الرجل » . [ 2 ] أصل معنى التعرّق أخذ ما على العظم من اللحم نهشا بالأسنان . يريد أنها تفقره ولا تدع له شيئا . [ 3 ] كذا في ديوانه . وفي الأصول : « من البشر » بالباء وهو تصحيف . والنشر : جمع نشرژ وهي رقية يعالج بها المجنون والمريض .